الذهبي
62
سير أعلام النبلاء
وقيل : إن المزني [ صاحب الشافعي ] أتاه ، فلما خرج ، قيل له [ كيف رأيته ] ؟ فقال : لم أر أعلم منه ، ولا أحد ذهنا - على حداثة سنه - ( 1 ) وألف كتاب : " الإمامة " ، فقيل كتبوه ونفذوه إلى المتوكل . وكان ذا تعبد وتواضع ورباط ، وصدع بالحق . وناظر ( 2 ) شيخا معتزليا ، فقال : يا شيخ ! المخلوق يذل لخالقه ؟ فسكت ، فقال : إن قلت بالذلة على القرآن ، فقد خالفت قوله تعالى : * ( وإنه لكتاب عزيز ) * [ فصلت : 41 ] . وسئل ابن عبدوس عن الايمان : أمخلوق هو ، أم غير مخلوق ؟ فلم
--> ( 1 ) انظر : رياض النفوس : 1 / 346 . والزيادة منه . ( 2 ) ذكر صاحب " رياض النفوس " المناظرة 1 / 350 - 351 ، ونصها : " وحضر محمد ابن سحنون يوما عند علي بن حميد الوزير ، وكان علي يبغيه ، وكان يجل محمدا ويعظمه ويكبره ، وكان في مجلسه جماعة ممن يحسنون المناظرة ، وأحضر معهم شيخا قدم من المشرق ، يقال له : أبو سليمان النحوي ، صاحب الكسائي الصغير ، وكان يقول بخلق القرآن ، ويذهب إلى الاعتزال ، فقال علي بن حميد الوزير لمحمد : يا أبا عبد الله ! إن هذا الشيخ وصل إلينا من المشرق ، وقد تناظر معه هؤلاء ، فناظره أنت . فقال محمد : تقول أيها الشيخ أو تسمع ؟ فقال له الشيخ : قل يا بني . فقال محمد : أرأيت كل مخلوق هل يذل لخالقه ؟ فسكت الشيخ ، ولم يحر جوابا ، ومضى وقت طويل ، وانحصر ، ولم يأت بشئ . فقال له محمد : كم سنة أتت عليك أيها الشيخ ؟ فقال له : ثمانون سنة . فقال ابن سحنون للوزير ابن حميد : قد اختلف أهل العلم في الصلاة على الميت بعد سنة من يوم موته ، فقال بعضهم : يصلى عليه ، وأجمعوا أنه إذا جاوز السنة لا يصلى عليه . وهذا الشيخ له ثمانون سنة ميت في عداد الموتى ، فقد سقطت الصلاة عليه بإجماع . ثم قام . فسر بذلك علي بن حميد وأهل المجلس . فسئل ابن سحنون : أن يبين لهم معنى سؤاله هذا . فقال : إن قال : إن كل مخلوق يذل لخالقه ، فقد كفر ، لأنه جعل القرآن ذليلا ، لأنه يذهب إلى أنه مخلوق ، وقد قال الله عز وجل : ( وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ) وإن قال : إنه لا يذل ، فقد رجع إلى مذهب أهل السنة ، لأنه لا يذهب في هذه الحالة إلى أنه مخلوق الذي هو صفة من صفاته " .